تخطى الى المحتوى

الساحل: الذهب في قلب العلاقات مع دولة الإمارات العربية المتحدة

جدول المحتويات

تربط دولة الإمارات العربية المتحدة علاقات دبلوماسية قوية مع منطقة الساحل، تقوم في جانب منها على معدن ثمين هو الذهب. 

 

وتشمل قائمة الدول المعنية بذلك كلا من السودان، وليبيا، ومالي، وبوركينا فاسو، والنيجر، وتشاد، والكاميرون، وموريتانيا، كما تحظى توغو، وهي دولة منتجة للذهب، باهتمام خاص. وتخوض جميع هذه الدول معركة ضد الإرهاب، الذي تقول الإمارات إنها تكافحه في كل مكان.

 

وقد استوردت الإمارات في عام 2024، ما يناهز 1400 طن من الذهب، بقيمة تجاوزت 105 مليارَ دولار، أكثر من نصفها – أي 74,8 مليار دولار- كانت إفريقيا مصدرها. 

ورغم أن مصدر هذا الذهب لا يكون دائما مثبتا من حيث التتبع، فإن الإمارات تتعهد بالشفافية. 

 

وقد قدّمت الإمارات بين عامي 2018 و2023، مبلغ 750 مليون دولار من المساعدات لدول مجموعة الساحل الخمس (G5 Sahel) آنذاك.

 

ورغم أنها ليست دولة منتجة، فإن الإمارات تقدّم نفسها كمركز استراتيجي للتجارة العالمية للذهب، فهي تمتلك منظومة متكاملة لصناعته، تشمل مصافي تكرير، وعددا كبيرا من التجار، وشركات لوجستية متطورة، ومناطق حرة. وتمثل الإمارات 11% من صادرات الذهب العالمية، وتضم أكثر من 4000 ورشة لصياغة المجوهرات و1200 متجر بيع بالتجزئة، توفر فرص عمل لحوالي 60000 شخص. وللاضطلاع بهذا الدور القيادي، تحتاج دبي إلى إمدادات مستدامة وكبيرة الحجم. وعلى الرغم من التعهدات المتكررة بتأمين مصادر أكثر شفافية، تواصل الإمارات قبول الذهب القادم من مصادر غير رسمية.

 

ذهب مجهول المصدر
تعدّ السودان، التي يوجد بها نحو 40000 موقع تنقيب و60 شركة تكرير، أكبر منتج عربي للذهب. وتنتشر شركاته (الذهب) في 13 ولاية من أصل 18، خاصة في مناطق النيل والشمال والبحر الأحمر. وفي عام 2024، اشترت الإمارات 29 طنا من الذهب السوداني، مقابل 17 طنا في عام 2023. وفي السنة ذاتها، ومع تصاعد النزاع الأهلي، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على 11 شركة، كثير منها مسجّل في الإمارات، بتهمة تسهيل تمويل قوات الدعم السريع بالذهب. ويذكر أن الحرب في السودان اندلعت في أبريل 2023.

 

كما تمرّ كميات كبيرة أخرى عبر دول مجاورة: 27 طنا من مصر، و18 طنا من تشاد، وكميات من ليبيا، التي تحتوي سلسلة جبال العوينات، الواقعة على الحدود مع السودان ومصر، وهي تتوفر على مخزون ضخم من الذهب، وتُتهم الإمارات بشراء هذا الذهب، عبر قنوات مختلفة، من المشير خليفة حفتر. وفي عام 2020، طرحت المصافي الليبية 450 طنا من الذهب في السوق، ومنذ ذلك الحين، فقدت ليبيا ما بين 50 و55 طنا من الذهب، تُقدر قيمتها بنحو 3 مليارات دولار، لصالح شبكات التهريب.

 

وفي مقابل هذا الذهب، يُقال إن الإمارات توفر لـ”لحرس الثوري الليبي” دعما لوجستيا، وأسلحة، ومعدات متنوعة، ورعاية طبية. وتغذّي هذه المبادلات اقتصاد الحرب. 

 

وتعتبر المصافي، سواء الرسمية أو غير الرسمية، والمطارات – التي تعمل أحيانا تحت الاسم نفسه – نقاط عبور هشة ومعرضة للاستغلال.

 

منطقة الساحل الأوسط: أرباح هائلة

يتم في دولة مالي التي تعد ثاني أكبر منتج للذهب في إفريقيا، استخراج 81% من الإنتاج بواسطة شركات مرتبطة بالإمارات العربية المتحدة. 

 

وقد سلط اختطاف جنرال إماراتي متقاعد في 23 سبتمبر 2025 الضوء بشكل صارخ على هذه الحقيقة، حيث تقع ضيعته على مزرعة شاسعة تبعد 40 كيلومترا جنوب باماكو، وتضم مدرج طيران بطول 700 متر، وأشجار فاكهة، وأخشابا، ومجموعة متنوعة من الحيوانات، معظمها من الثديات والطيور الداجنة. 

 

ويرى البعض أن النشاط الحقيقي، أو بالأحرى النشاط الرئيسي، لهذا الموقع كان تجارة الذهب بين مالي والإمارات العربية المتحدة ووجهات أخرى.

 

وقد حققت مالي في عام 2023 من خلال الذهب 1.926 مليار فرنك إفريقي.

 

كما تم الإبلاغ عن تصدير كميات كبيرة إلى الإمارات من بوركينا فاسو وتوغو، رغم أن توغو لا تنتج الذهب بمستوى كبير، ويعتقد أن جزءا من الذهب القادم منها مصدره دول بالمنطقة. 

 

وقد تم تصدير أكثر من 52 طنا من الذهب التوغولي، بقيمة 4 مليارات دولار، إلى الإمارات عام 2024، وفي العام نفسه، يُزعم أن نحو 32% من ذهب بوركينا فاسو تم بيعه كذلك إلى الإمارات.

 

وفي المنطقة نفسها، جرت مصادرة 1578 كيلوغراما من الذهب النيجري في مطار أديس أبابا مطلع يناير 2024، وكانت الشحنة، التي تُقدر قيمتها بأكثر من 60 مليار فرنك إفريقي، متجهة إلى دبي دون أي وثائق رسمية.

 

وفي سنة 2022، صدّرت النيجر رسميا 235 كيلوغراما من الذهب بقيمة تقل عن 10 ملايين يورو، وفقا لمبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية، غير أن تحقيقات قادمة من دبي كشفت عن واردات إماراتية من الذهب النيجري بقيمة 457 مليون يورو، ما يبرز فجوة كبيرة تعزى إلى الاتجار غير المشروع.

 

وقد اتخذت السلطات النيجيرية إجراءات، من بينها استبدال 82 عنصرا من الجمارك، والشرطة، وحرس الغابات، والدرك العاملين في مطار ديوري هاماني في نيامي، غير أن منظمة الشفافية الدولية لم تقتنع بهذا الأسلوب من المعالجة، ونددت بما وصفته بـ”الإبقاء على خلل شكلي” في التعامل مع هذا الاتجار غير المشروع من قبل السلطات النيجيرية.

 

وفي نهاية المطاف، ورغم عدم توضيح الوضع بشكل كامل، أصدرت نيامي قرارا بتجميد جميع حقوق استغلال المناجم القائمة.

 

إعادة تنظيم القطاع في منطقة الساحل
تعهّدت الدول الثلاث الواقعة حول منطقة ليبتاكو – غورما بإعادة تنظيم قطاع الذهب بهدف تعظيم العائدات، في سياق ارتفاع أسعار المعدن النفيس والحاجة المتزايدة إلى الموارد المالية لمكافحة الإرهاب. 

 

كما جعلت تلك البلدان (مالي والنيجر وبوركينا فاسو) من هذا القطاع مسألة سيادة، من خلال استعادة السيطرة على المناجم، وإعادة التفاوض بشأن العقود، وبناء مصاف للتكرير.

 

وفي مايو 2025، قام وزير الدولة الإماراتي الشيخ شخبوط بن نهيان آل نهيان، بزيارة إلى باماكو وواغادوغو ونيامي، ففي مالي أبرم اتفاقا يعزز الشراكة الأمنية من خلال تمديد بروتوكول الدفاع الموقع عام 2019، كما يشمل التعاون استثمارات استراتيجية في مجال الطاقة الشمسية، ولا سيما محطة (تونا) للطاقة في منطقة سيغو، إضافة إلى قطاعات الزراعة والصحة. وأعاد الطرفان (المالي والإماراتي) كذلك التأكيد على التزامهما المشترك بمكافحة الإرهاب.

 

وقد أُعلن (في مالي) عن بناء محطة كهرباء بقدرة 93 ميغاوات عقب اجتماع مجلس الوزراء في 25 نوفمبر 2025، على أن تتولى تنفيذها مجموعة (Phanes) التي تتخذ من دبي مقرا لها، بتكلفة قدرها 106.4 ملايين دولار، أي ما يعادل 69.8 مليار فرنك إفريقي.

 

وفي واغادوغو، ناقش الوزير الإماراتي سبل إحياء التعاون الثنائي، الذي وصفه بأنه عريق ونموذجي، واختتم جولته الدبلوماسية من نيامي، ووفقا للتلفزيون الرسمي النيجري، فإن زيارته تندرج في إطار تعزيز التعاون بين النيجر والإمارات العربية المتحدة، واستكشاف سبل تطوير الشراكة الثنائية في مختلف مجالات الاهتمام المشترك.

 

ولم يصدر أي بيان رسمي بشأن الذهب في أي من الدول الثلاث. فهل كان ذلك رغبة في عدم إزعاج أي طرف؟ أم حرصا على الحفاظ على “السرية” في قطاع تدار علاقاته حتما في أجواء تخيم عليها الضبابية؟

 

بلدان أخرى ذات تجارة مزدهرة
في عام 2024، بلغت صادرات تشاد من الذهب المستخرج عبر التعدين التقليدي، إلى دولة الإمارات العربية المتحدة ملياري دولار. 

 

وقد وقّع البلدان مذكرة تفاهم في يونيو 2023 لتطوير هذا القطاع، تهم مجالات الاستكشاف والتعدين، إضافة إلى التدريب واقتناء التقنيات المرتبطة بالصناعة المنجمية. 

 

وفي أكتوبر 2023، أكد صندوق النقد الدولي أن أكثر من 3 مليارات دولار، أي ما يقارب 1.5 تريليون فرنك إفريقي، من صادرات الذهب لم تُسجل في الحسابات العمومية لتشاد. 

 

وتحت ضغط صندوق النقد الدولي، التزمت السلطات (تشادية) بإدراج عائدات التعدين في ميزانية الدولة ابتداء من عام 2026، كما أعلنت البلاد في العام نفسه، عن قرب إنشاء أربع وحدات للمعالجة بطاقة تتراوح بين 300 و1000 طن (من الذهب) يوميا.

 

وبين عامي 2019 و2020، لم تتجاوز صادرات الكاميرون الرسمية من الذهب إلى الإمارات 0.8 مليون دولار أمريكي، أي ما يقارب 480 مليون فرنك إفريقي. 

 

وفي المقابل، بلغت الواردات المعلنة بدبي من الكاميرون 340 مليون دولار، أي نحو 204 مليارات فرنك إفريقي، ونتيجة لذلك، تم تعليق عضوية الكاميرون في مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية عام 2021.

 

وفي موريتانيا، تشغل مجموعة كينروس الكندية منجم تازيازت للذهب، وقد ارتفع إنتاجه من نحو 170 ألف أونصة عام 2021 إلى 538 ألف أونصة سنة 2022. 

 

وحقق تعدين الذهب للدولة أكثر من 780 مليون دولار في عام 2020، ويُقدَّر أن ما يصل إلى 70% من إنتاج السوق غير الرسمي يتجه إلى دبي.

 

ختاما، تُظهر دولة الإمارات العربية مستوى ضعيفا من الشفافية في تعاملاتها المتعلقة بالذهب مع دول الساحل، فمن خلال استحواذها على منتجات التعدين التقليدي، يبقى خطر الحصول على ذهب مصدره جهات مشبوهة قائما.

 

وفي العديد من دول الساحل، استولت جماعات إرهابية على مواقع تعدين تقليدية، ومع ذلك، تقدّم دبي نفسها – ويتم قبول ذلك – كشريك تقني في إعادة تنظيم قطاع الذهب في بلدان المنطقة، ولا سيما في مالي وتشاد.

 

المصدر: مركز “S4” استراتيجيات أمن منطقة الساحل والصحراء

ترجمة: وكالة الأخبار المستقلة

 

الأحدث