جدول المحتويات
مقدمة
يمثل المعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية في موريتانيا، الذي تأسس عام 1979، مؤسسة علمية عريقة حملت على عاتقها مهمة تخريج الكوادر في العلوم الشرعية واللغوية، وتوفير تعليم إسلامي يجمع بين الأصالة والمعاصرة. وقد شكّل المعهد تاريخياً رافداً أساسياً للمجتمع، حيث تخرّج منه العديد من العلماء والقضاة الذين أسهموا في الحياة العامة. إلا أن هذه المؤسسة الأكاديمية تواجه اليوم تحديات بنيوية عميقة تهدد هويتها الأكاديمية ورسالتها العلمية، مما يستدعي تحليلاً منهجياً للأزمة وبلورة رؤية استراتيجية لإعادة الاعتبار لمكانتها.
1. تشخيص الأزمة: بين تسييس الهوية وتآكل الوظيفة الأكاديمية
يمكن تحديد ملامح الأزمة التي يعاني منها المعهد العالي في محورين متداخلين:
• أولاً: أزمة الهوية الأكاديمية:
لقد تحوّل المعهد، بفعل عوامل متعددة، من صرح علمي إلى ساحة للصراعات الإيديولوجية والسياسية. أصبحت الخلفية الفكرية للإدارات المتعاقبة معياراً أهم من الكفاءة العلمية والمهنية، وانشغل الطلاب والأساتذة بالاستقطابات الفكرية على حساب الأولويات الأكاديمية. هذا الواقع أدى إلى «تمييع» الهوية المؤسسية للمعهد، حيث فقد تدريجياً شخصيته ككيان أكاديمي مستقل ومحايد، وأصبح يُنظر إليه كحديقة خلفية للتوجهات السياسية، مما أضعف من قدرته على استقطاب النخب العلمية الحقيقية من خريجي المحاظر وغيرهم.
• ثانياً: التدهور الإداري والمالي:
تزامنت أزمة الهوية مع تراجع ملموس في الأداء الإداري والمالي. تشير الأصوات النقدية من داخل الأوساط الأكاديمية إلى أن المؤسسة عانت من فساد إداري ومالي لسنوات طويلة، حيث تمّ التصالح مع حالة الفوضى السائدة من قبل بعض الإدارات المتعاقبة حفاظاً على مصالحها. هذا التدهور انعكس سلباً على جودة المناهج، ومستوى التأطير، والبنية التحتية، مما جعل المعهد في حاجة ماسة إلى إصلاح جذري يعيد له رونقه العلمي والحضاري.
2. متطلبات الإصلاح: نحو استعادة الشخصية الأكاديمية
إن إنقاذ المعهد من واقعه الحالي يتطلب رؤية إصلاحية شاملة ترتكز على المبادئ التالية:
• تحييد المؤسسة عن الصراعات الإيديولوجية:
يجب أن يكون المعيار الأساسي في إدارة المعهد هو الكفاءة الأكاديمية والخبرة الإدارية، بغضّ النظر عن الانتماءات الفكرية أو الدينية. إن تعيين شخصيات أكاديمية من خارج الدائرة التقليدية للمعهد، مثل الدكتور محمد ولد الرباني، الذي يمتلك تجربة أكاديمية كأستاذ جامعي ومدير مدرسة دكتوراه في جامعة نواكشوط سابقاً، قد يمثل خطوة أولى نحو تحقيق هذا الهدف. فوجود قيادة تركز على الجانب العلمي والمهني يمكن أن يسهم في نقل المؤسسة من «وكر للفساد» إلى منارة أكاديمية حقيقية.
• تحديث المناهج وتطوير البحث العلمي:
لا يمكن الحديث عن إصلاح دون مراجعة شاملة للمناهج الدراسية لتواكب متطلبات العصر وتتفاعل مع القضايا المعاصرة، مع الحفاظ على الأصالة العلمية. يجب أن يركز المعهد على تشجيع البحث العلمي الرصين، وتوفير الموارد اللازمة للأساتذة والباحثين، وربط مخرجاته بحاجات المجتمع الفعلية في مجالات القضاء والتعليم والاقتصاد الإسلامي والإعلام.
• الحوكمة والشفافية الإدارية:
يتطلب الإصلاح تطبيق مبادئ الحوكمة الرشيدة والشفافية المطلقة في إدارة الموارد المالية والبشرية للمعهد. يجب وضع حد للفساد الإداري والمالي عبر آليات رقابية صارمة ومساءلة فعالة، لضمان توجيه الموارد نحو تحقيق الأهداف الأكاديمية للمؤسسة.
خاتمة
إن المعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية يقف اليوم على مفترق طرق حاسم؛ فإما أن يستمر في التدهور تحت وطأة الصراعات الإيديولوجية والفساد الإداري، أو أن يبدأ مسيرة إصلاح حقيقية تعيد له هويته الأكاديمية المفقودة. إن تعيين إدارة جديدة ذات خلفية أكاديمية صارمة يمثل فرصة ثمينة يجب استثمارها.