جدول المحتويات
طالعنا التعميم رقم 06 الصادر بتاريخ 21 نوفمبر 2025، والموجه من الوزير الأول إلى الوزراء، الذي يلح على التزام موظفي الدولة ووكلائها بتجنب كل قول أو ممارسة تتنافى مع القيم الجمهورية ومبادئ دولة المواطنة، ويحظر التعميم المشاركة في التجمعات ذات الطابع الطائفي أو القبلي أو الجهوي، ويمنع تبني خطاب الكراهية أو التفرقة أو التحريض الإثني، كما يحذر من استغلال النزاعات القبلية، ويؤكد تطبيق الإجراءات العقابية على مخالفيه.
ويبدو هذا التعميم، في نصه وروحه، خطوة خلاّقة على درب ترسيخ قيم الدولة الوطنية والعدالة والمساواة بين المواطنين، غير أن الواقع الاجتماعي والسياسي والإداري يكشف أن قوة الكلمات وحدها لا تنهض بالدول؛ فالتعميم لا تكتمل رسالته إلا حين تتحول بنوده إلى أفعال لا تعرف الاستثناء، ولا تنحني لولاء قبلي، أو مصلحة شخصية.. عندئذ يكتسب هيبته وصدقه، ويصبح أروع من ذلك لو كنتم صادقين!
سادتي، لعلنا ندرك جميعا أنه في بلاد يربو فيها الولاء القبلي على الكفاءة؛ تتبدد فكرة الأهلية من الأساس وتخبو معايير الكفاءة، ويتوارى القانون خلف ستائر المحسوبية، وهكذا يكف الموظف السامي عن المطامح الشرعية الأصلية في أن يتطلع إلى منصب لخبرته ومنجزاته، بل على العكس من ذلك يركن لبقائه في ظل قبيلته، التي تشكل له ملاذا ضيقا يضمن له الاستمرار، وهنا نجد بكل حسرة أولئك الذين لا يجيدون القراءة والكتابة يتطلعون إلى أعلى المناصب وينتظرون أسماءهم مع كل تعيينات مستندين إلى فكرة أضحت متجذرة في كثير من شبابنا وأسهمت في اتكاليته مفادها أن نظام التعيين بات يقاس بالولاء وليس بالجدارة.
أثبتوا لي أن هذا ينافي المعيش العمومي الراهن لو كنتم صادقين!
وفي معتقد عامة الموريتانيين وخاصتهم في المدن والأرياف أن التوظيف والمناصب العامة تمثل مسرحا حيا للولاءات القبلية، حيث يقاس وزن المرشح بعدد أتباعه وحشود قبيلته، لا بقدراته ومؤهلاته.. وعلى هذا الأساس باتت الاجتماعات القبلية مقياسا للنفوذ، وأمست التعيينات بعد الزوابع التي يثيرها مؤثرو الرأي العام تبرم تحت الطاولة كما تبرم العقود السرية بعيدا عن أعين الجمهور، حتى الوزارات والمؤسسات العمومية، التي يفترض أن تكون حصونا للكفاءة، صارت ساحات لتبادل الولاءات والمصالح.
عليكم وأنتم من كرس هذه المرئيات العمومية وتمدى في تجذيرها أن تكفوا عن ذلك أولا لو كنتم صادقين!
ولأن الإدارة الحديثة يا سادتي، تقاس بعدالة توزيع المناصب وكفاءة المصادر البشرية، وليس بمدى قدرة المسؤول على استجداء الدعم القبلي، اعتمدت الأنظمة الحاكمة المتعاقبة نهجا مغايرا أدى إلى واقع مر: كل موظف سام يعلم أن البقاء مرتبط بالقبيلة، وأن الولاء لها فوق كل اعتبار جمهوري ومهني، وأن أي خرق لهذه القاعدة يعني الثبور الوظيفي، لذلك يزدهر الفساد في الخفاء، ويصبح اختلاس المال العام وممارسة النفوذ منطقا معقولا لدى من تم جلبهم وفق اصطفافات قبلية. الرواتب والعلاوات لم تعد كافية لتغطية الولاءات المفروضة، فكل منصب رفيع يقابله دين مالي أو سياسي.
لقد دفعوا فواتير صعودكم في الحملات الانتخابية وأصبحوا مدينين؛ فادفعوا لهم المال العام أو فغضوا الطرف لو كنتم صادقين!
ولعل من أكثر أمثلة الإجراءات الإدارية التي يمنعها القانون وتدوس عليها تدخلات هواتف القبيلة والنفوذ مسألة ولوج الوظيفة العمومية والدمج في الأسلاك المهنية والترقيات، حيث تدار بعيدا عن الشفافية، دون مسابقات داخلية معلنة، ودون رقابة حقيقية من المفتشيات العامة، بينما ينبغي أن يكون التفتيش الإداري أولا، قبل التفتيش المالي، لأن الكوارث الحقيقية تبدأ من سوء إدارة المصادر البشرية، لا من نقص المال. المفتش العام يجب أن يكون مستقلا، يراقب، ويفضح، ويعيد التوازن، لا أن يكون أداة لتجميل الأمر القائم.
فعلوا المسابقات والمباريات العمومية والمفتشيات الداخلية في الوزارات والمؤسسات العمومية لو كنتم صادقين!
وفي عصر التقنية لو كنا نعقل، من الممكن بناء تطبيقات رقمية متقدمة لإدارة الأشخاص، تختار الكفاءات بشفافية، بعيدا عن الاعتبارات الشخصية والقبلية، وتضع معيارا واضحا للمناصب العامة بشكل تلقائي شفاف يخفف من الضغط الهاتفي والتدخلات التي تحمل في طياتها ظلما لآخرين يستحقون.
الإدارة والعدالة كانتا لتؤديا دورهما الطبيعي، لو لم تكن القبائل قوية تضطلع بتسوية كل نزاع بين جماعات متصارعة، المجتمع ينهض حين يبنى أبناؤه الجدارة على العدالة، لا على الولاء الموروث.
اختاروا بين قانون الدولة أو قوة القبيلة لو كنتم صادقين!
ولتعلموا أن الوطن لا يحتاج إلى شعارات فارغة عن النزاهة.. الوطن يحتاج إلى شجاعة المسؤولين، ليختاروا الأكفاء، ليضعوا القانون فوق الولاءات، ليعيدوا الكلمة للعدالة قبل كل اعتبار آخر، وهكذا فالشفافية في التعيينات، والمساءلة في الإدارة، والرقابة الدقيقة على المصادر البشرية، هي الطريق الوحيد لإنهاض دولة تكون فيها الأحقية هي معيار التقدير، لا القبيلة أو الولاء الشخصي لو كنتم صادقين!
نعم، لو كنتم صادقين، لقلتم وداعا لما تسمونه تمييعا “التعيينات السياسية” ولوضعتم لائحة مختارة من أهل الاختصاص لكل منصب سام، يفاضل فيه الرئيس بين ستة من الأكفاء، فتختارون من بين ستة أطباء نزيهين مديرا للمستشفى، ومن ستة إداريين فنيين واليا، ومن ستة دبلوماسيين مهنيين سفيرا، ومن ستة فقهاء مبرزين رئيسا للفتوى والمظالم، ومن ستة قضاة عادلين رئيسا للمحكمة العليا.. ثم بعد ذلك اجعلوا المكلفين بمهام ومستشاري القطاعات الوزارية من الذين خبروا هذه القطاعات وتدرجوا فيها، لا من تستجلبهم علاقات السرية، بعيدا عن القانون والكفاءة.
ضعوا اللونية جانبا، يا شركاء الوطن، ولا تفضلوا لونا على آخر فذلك عين الظلم والظلم مرتع مبتغيه وخيم، حيث يصبح المفضول أفضل من الأفضل،وحيث يسقط الجدير المؤهل بفعل التوازنات ويأتي الغائب الذي لايفقه شيئا..
أنصح لكم، وستذكرون ما أقول لكم: لاتنصتوا لشيوخ قبائل يقودون أشخاصا بلا كفاءة يطلبون لهم التعيين في مناصب رفيعة، وتوقفوا عن الاستعانة بقاموسكم المليء بكلمات غير دستورية مثل: حلف، مبادرة، تيار، جماعة، أتباع، حشود.. واعلموا بأن الدولة الوطنية لاتعترف بغير مخرجات الأحزاب السياسية في عملية الفعل السياسي، لو كنتم صادقين!
لا تجعلوا المميزين وأصحاب الكفاءات في الإدارة العمومية يتوجعون مع كل مجلس وزراء جديد وهم يشاهدون الأدنى يستبدل بالذي هو خير فيرددون مع الشاعر قوله:
إن يقعدوا فوقي بغير مزية وعلو مرتبة وعز مكانِ
فالنار يعلوها الدخان وربما يعلو الغبار عمائم الفرسانِ
عاقبوا من يتغيب عن عمله بحجة حضور الفعاليات السياسية والمهرجانات التابعة للحزب الحاكم أو زيارات الرئيس، وراقبوا عبر الكاميرات لأنكم في تلك المواسم غالبا غائبون عن المرافق العمومية.. اشهدوا واقع الموظفين: كيف يتسابق البعض لحضور المهرجانات السياسية باعتبارها أهم من واجبه المهني، وكيف تمت ترقية من غاب عن المرفق العام وحضر هذه الاحتفالات، بينما أُقصي من التزم بعمله في المرفق العام وغاب عن النشاطات السياسية والاجتماعية.
هنا تبدأ الكارثة الحقيقية، وأنتم على دراية بها، فكونوا صادقين… لو كنتم صادقين!
وفروا النظم الصحية الناجعة وفعلوا التأمين الاجتماعي الذي تضطلع به القبيلة كلما عنّ طارئ صحي بأحد أبنائها.. شيدوا المشافي واجلبوا المعدات الصحية وما تحتاجون من الخبرات والعقول لو كنتم صادقين!
بهذه الإجراءات البسيطة التي لاتمثل إلا غيضا من فيض، يمكن أن تطلبوا من موظفي الدولة ووكلائها العقدويين أن يكفوا عن الاجتماعات القبلية، وفيما سوى ذلك لن يصدقكم أحد؛ لأن الناس درجت على الإيمان بالمحسوس الذي تربت عليه قبل التوجيهات النظرية.
ولعلي أختم هذه الطروحة بمقولة لفيلسوف الواقعية الأكبر توماس هوبز مفادها أن المواثيق والعهود التي لاتظلها السيوف ليست إلا كلمات لاطاقة لها بحماية الإنسان.