جدول المحتويات
لكنني قررت صبيحة أحد الأيام أن أزور هذا الرجل، ولانتشار صيته بين الناس؛ عامتهم وخاصتهم فكرت في البحث عن أحد العارفين به، ليقدمني له، لكنني في النهاية قررت أن أزوره علي أجد وسيلة للقائه, فأرشدني أحد الأصدقاء إلى منزله، وحين دخلت المنزل سألت عنه، فإذا به يخرج إلي باشا مرحبا، فتحدثنا، وشجعتني أرحية الرجل وتواضعه، على أن أسترسل في الحديث عن الهم الثقافي للبلد، وحين بدأ الحديث، شدني إليه لبراعته في الموضوعات التي تحدثنا عنها، وتوطدت صلتي منذ اليوم الأول بهذا الرجل الظاهرة، فأهديته نسخة من رواية الشفق اللازوردي، وبعد أسبوع هاتفني :" ستكون روايتكم موضوع نقاش في الحلقة القادمة من حلقات الصالون الأدبي والثقافي،موعدنا السبت القادم في بالمنزل"…
فبدأت حكايتي مع الصالون الأدبي والثقافي للولي محمذن بن محمودن.
المحطات البارزة :
أنشئ هذا الصالون من طرف الولي محمذن سنة ١٩٨٩م، ويعرف الجميع أن العقود الأربعة الأخيرة من القرن العشرين كانت عقود الديكتاتوريات العسكرية المباشرة أو المقنعة، ولم تكن حرية التعبير أكثر من حلم يراود الناس بعد أن ينهكهم النعاس والملل.
لقد فكر الولي محمذن -ـ كما روى لي ـ في خلق فضاء مرن يلتقي فيه قادة الرأي وأهل الفكر والنظر، ويجدد فيه الهم الثقافي والأدبي والاجتماعي التعبير عن معاناته، ويبحث سبل الخلاص من شباك الورطة التي أوقعته فيها متاهات العشوائية، والارتباك، وغياب اي نظرة شمولية لهذا الهم،وكانت النقاشات والمناظرات التي تداولها الأساتذة والمشائخ والعلماء مطبوعة بالحذروالمرونة والرمزية أحيانا، وبالمباشرة والحدة والخشونة أحيانا اخرى.
ومع ذلك ظلت تقارير الدوائر الأمنية تتراوح بين التحذير من خطر هذا الصالون،وبين اعتباره وسيلة للتنفيس. إلا أن المواضيع التي تم نقاشها في هذا الصالون كانت مؤثرة في القرار الحكومي، من ذلك مثلا على سبيل المثال لاالحصر:
ـ تم نقاش موضوع محو الأمية، وخطورة الظاهرة شهورا قبل إعلان الحكومة عن إنشاء كتابة للدولة لمحو الأمية، وبالتالي تبني سياسة محاربة هذه الظاهرة، ومن الغريب أن النقاش الذي جرى بوب فيه بعض المتدخلين على أهمية إنشاء فصول في الأحياء والمنازل، وهو ماتوجت به الحكومة حملاتها لمحو الأمية.
ـ تم في صالون الولي محمذن بن محمودن نقاش ضرورة إنشاء مكتبات عمومية ترعاها الدولة وتوفر من خلالها وسيلة تثقيف حقيقية للمواطنين العاديين، قبل إنشاء دور للكتاب بسنة كاملة،
ـ نوقش في الصالون موضوع الحراطين مرات كثيرة، وأهمية أن يكون هناك وزراء ورجال أعمال وموظفون سامون في الدولة من هذه الشريحة حفاظا على السلم الأهلي، وإنصافا لتلك الشريحة التي ظلمها التاريخ والمجتمع،وهو ماتم بالفعل جزئيا أوكليا في فترات أعقبت ذلك.
ـ تكرر في الصالون نقاش موضوع الديمقراطية أكثر من عشر مرات، ومن زوايا متعددة، وإن كان من أهمها النقاش الساخن الذي جرى حول الدستور بعد الإعلان عنه فكانت التفاصيل والملاحظات التي فصلها الباحثون والقانونيون موضوع ديباجة هذا الدستور في الغالب الأعم.
ـ نوقشت قضية العولمة، وحتمية سيطرة الإنترنيت ، وأهمية قيامها في حلقة مشهورة، ،قبل أن تقبل السلطات بولوج هذا العالم بأكثر من سنة.
ـ نوقش موضوع "ويكيليكس"، وتوصل الباحثون إلى أن نشر هذه الوثائق مؤشر واضح وأكيد على أن تغييرات حقيقية ستجري في العالم الثالث، وفي العالم العربي، الذي أصبح فساد نظامه السياسي يزكم أنف العالم كله. واذكر هنا ملاحظة عجيبة أشار إليها الولي محمذن في خلاصة هذا النقاش، وهي "أن دوائر القرار الخفية في أمريكا لاتترك الأمور تسير بالمجان، وإنما هناك غرض مدروس سربت تلك الوثائق من أجله، فكأن أمريكا تتقيأ فترة من تاريخها لم تعد توائم مصالحها الاستراتيجية".
ـ نوقشت في الصالون "ظاهرة البوعزيزي"، الذي أشعل الشرارة الأولى للربيع العربي في الجمهورية التونسية، ومن اللافت للانتباه أن قضية ارتباط نجاح الثورات العربية بالسلمية كان من أبرز ماتوصل إليه الأساتذة والباحثون في هذه الندوة، وتم التأكيد من طرف البعض على أن نجاح تلك الثورات سيكون غير مضمون إن حمل الثائرون السلاح، بل قد يقود إلى تعقيدات لايمكن لأحد أن يحسب نتائجها.
-ـ أفرد الصالون الثقافي والأدبي للولي محمذن بن محمودن حلقة خاصة بظاهرة الفتوى العشوائية وغير المضبوطة، وتم التأكيد في هذا النقاش؛ الذي كان ساخنا جدا، وتضاربت فيه آراء الحضور، وتحرشت ببعضها، أن الفتوى في موريتانيا أصبحت غير مضبوطة، ولم تؤمن مجاريها بعد؛ حسب تعبير بعض الباحثين؛ فالذي يحفظ حديثا من كتاب، وإن جهل مقاصده والنازلة التي يتنزل عليها، يفتي به، والذي يجهل فروع الأحكام، ولغة القرآن، ولايعرف ناسخه من منسوخه، يفتي بمعنى الآيات، وتوصل النقاش إلى خلاصة مختصرة مؤداها أن الدولة تتحمل مسؤولية كبيرة في هذا المجال، وأن عليها أن تضبط الفتوى، وأن لاتتركها نهبا للأهواء والأغراض.. تم هذا قبل إنشاء المجلس الأعلى للفتوى والمظالم بتسعة شهور كاملة.
في هذه السنوات الأربع والعشرين من عمر الصالون نوقشت مئات القضايا بمنهج غريب، فالولي يستدعي مجموعة، من بينها من لم يعرف عن الصالون شيئا، ومن بينها أساتذة غير معروفين لكنهم تميزوا في أداء معين، ومن بينها شيوخ تصوف وعلماء بارزون وأساتذة باحثون من الجامعة ، ومن الموريتانيين الباحثين الذين يدرسون في جامعات سعودية، وخليجية وعربية ، وغربية.كما أن من بينها إعلاميين بارزين ومغمورين، وشعراء وأدباء كتاب، ووزراء سابقين، وحتى وزراء أول في الحكومات الموريتانية السابقة.
لم يشأ صاحب الصالون أن يترك للإعلام بابا يصل به إلى هذا الصالون لأنه اعتبر أن الغرض منه هو خدمة صبورة وصامتة وفعالة للمجتمع الموريتاني وللمجتمع العربي المسلم، في ظل عواصف تهدده، واخطار تحدق به، وبالتالي فا لإعلام حين يلج تتعدد التفسيرات ، وقد يفهم من ذلك أن للصالون أغراضا سياسية، أو أنه يهدف إلى تحقيق مصالح تخص صاحبه، وهذا خلاف القصد منه أصلا.
وحين أهتم بالاسترسال في الحديث عن هذا الصالون فإنني سأنهب أغلب مفردات اللغة، لأنني تابعت أغلب ندواته الفريدة والمشوقة منذ سنة ٢٠٠٤م، ولايمكن لحديث أن يحيط بما ورد فيها من فوائد، وأبرز فيها من أفكار ساهمت بصفة مباشرة أو غير مباشرة في صناعة مستقبل موريتانيا، أو دق ناقوس خطر يتهددها.