جدول المحتويات
وتشكلت اللجنة العلمية التي ناقشت الأطروحة من:
– الدكتورة كريمة بوعمري: رئيسة.
– الدكتور محمد أمين الإسماعيلي: مقررا.
– الدكتور أحمد الزيادي: عضوا.
– الدكتور مصطفى الهند: عضوا.
وبعد قراءة تقرير إداري حول الملف العلمي للباحث من طرف رئيسة اللجنة العلمية الدكتورة: كريمة بوعمري، أحالت هذه الأخيرة الكلمة للباحث: آَلاَّ بن محمدن بن منيه ليقدّم عرضا عن أطروحته حسب مألوف أعراف الجامعات في مثل هذه المناسبات.

الباحث آَلاَّ بن محمدن بن منيه أكد في تقديمه للأطروحة أنه "نظرا للأهمية البالغة التي تكتسيها العقيدة في حياة المسلم، وضرورة خلوّها من شوائب الشِّرك، ونقائها من أدران الشَّك والخرافات.. ونظرا لما يسود حياتنا الراهنة من تصورات عقدية تَفرّقت بها السُّبل لتحيد بها عن جادة الصراط السوي، وما يتطّلبه ذلك من تعاهد للعقيدة بمراجعة وتصويب ما هو كائن بما يجب أن يكون.. ونظرا للدور الفعّال للمصطلحات كوعاء حامل وحامي للمعاني والدلالات، وما تمليه وتحتّمه الضرورة العلمية من المحافظة عليها حتى لا تتسيّب أو تتميّع، أو يستغلّها المغرضون أيا كانوا على أي وجه كان…
وأضاف "نظرا لكل ذلك وغيره – مما له به مسيس صلة – يأتي جلوسي اليوم أمامكم للتّقديم للبحث الذي بين أيديكم والدّفاع عنه بعد مناقشته من طرف لجنتكم العلمية المختصة، التي شرفتني بموافقتها الكريمة على تخصيص جزء هام من أوقاتها الثمينة لقراءته وتقييمه وتقويمه".
ورأى الأستاذ الباحث مخاطبا الأساتذة المناقشين "لا يخفى عليكم أن ضبط المصطلحات يأخذ أهميته على وجه الإلزام – منهجيا – كلما كان المصطلح ذا شأن دلالي فعّال كمصطلح: [الوسطية] الذي ملأ – في عصرنا – الدنيا وشغل الناس.. حتّى لم يعد منضبطا بضوابط ثابتة، ولا تحكمه أسس ومعايير محدّدة، ما جعله مشتبّها بغيره من صوّر الباطل المتعددة، أو هكذا أريد له – على الأقل – فغدا يحيل في الكثير من استخداماته على معان من قبيل: [المداراة، المداهنة، التّذبذب، التّنازل، التّساهل…] وما شاكلها من ألفاظ وأنساق لغوية، أو حمولات دلالية يساق مصطلح الوسطية للتّعبير عنها غالبا في العصر الراهن.. فهو لهذه الأسباب وغيرها يتصدّر قائمة حاجيات الأمة من هموم المرحلة، خاصة ضمن إطاره العقدي".

وقال الباحث آَّلاَّ بن محمدن بن منيه إن "الاهتمام والعناية بدراسة العقيدة من مصادرها الإلهية (الرسالات السماوية) دراسة مقارنة بين أصلها النقيّ ومتحوَّلها الذي ران عليه شوب الباطل، وغير ذلك من الملل والنحل والمذاهب له أهمية كبرى وثمرات عظمى؛ لما يترتب عليه من تمييز الحق عما شابه أو تشبّه به، متسميّا باسمه، أو وُسم بوسمه، من الأمور التي لم تعر من دخن الضلالات، وأباطيل الخرافات وأنواع الشبهات"، مردفا أنه "بالمقارنة يتّضح الباطل وتقوم الحجة على المخالِف، وتهفوا النفوس إلى الحقّ ويزداد إيمان المستمسكين به ثباتا، ويقينهم اطمئنانا".
ورأى الباحث الموريتاني أنه "على هذا الأساس واجه العلماء عبر تاريخ الإسلام وفي مختلف البلدان ظاهرتي: الإفراط والتفريط، حرصا منهم على أن لا تكدّر السير على الجادة شعب الباطل بتلون صور بدع ضلالاتها، وصنوف ضلالات بدعها".
وأكد الباحث أنه هذا المنطلق جاء اختياره لموضوع الأطروحة: [الوسطية في الأصول العقدية – دراسة مقارنة بين الرسالات السماوية (اليهودية – النصرانية – الإسلام)].
وأشار إلى أنه "لسائل أن يسأل عن دوافع ودواعي اختيار تناول العقيدة من منظور وسطي.. أو الوسطية من منظور عقدي؟ ولماذا في هذا الظرف تحديدا؟ وهل يتجه للعقيدة الوصف بالوسطية أصلا؟ وإن أمكن – علميا ومنهجيا – فعن أي وسطية نتحدث؟"، مضيفا أن "الإجابة على هذه الأسئلة وغيرها هي مبرر وجود هذا العمل دافعا وهدفا، رجاء أن يسد ثغرة تجديدية عقدية تلائم مقتضى الظرف الزماني، وتنساق لسياق الحاجة العلمية الراهنة. لأن أي موضوع لا يخدم قضايا الأمة وما تنشغل به من هموم في أمور مَعاشها ومَعادها، أو بعضهما – على الأقل – ينكِّب أهداف البحث العلمي الجاد، ولا ينسجم مع المقاصد الكبرى لشريعتنا الغراء".
ورأى أن "تكرار واجترار مسائل ومواضيع لم تعد إشكالاتها مطروحة، أو تمّ إشباعها بحثا.. أقرب إلى العبثية وهدر الإمكانات – بلا طائل – منه إلى الجدّية وتسخير القدرات لإضافة علمية جادة تسعى لجلب مفقود. ومن تأمل واقع الأمّة الراهن لا تخطئ عين بصيرته شساعة البون بين مشاربها وأهدافها، والاختلاف المخلّ بين منطلقاتها وغاياتها.. يتجلّى ذلك في السائد من الإسراف والتقتير [غُلوّا وجفاء] بالنظر لاتّساع دائرتي الإفراط والتفريط باطّراد.
وأكد الباحث أنه تجدر الإشارة هنا إلى أن "العقيدة الاسلامية تعتمد حقا ذا حدود، له بدايات وله نهايات.. وكلما خرج عن حدود الحق دخل في الباطل – ولا بد – سواء كان قبل البدايات أو بعد النهايات، لقوله تعالى: {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ[1]}. كما أن من أخذ ببدايات الحق عليه أن يستمر داخل الحدود، لألا يسقط في الباطل "غلوا وإفراطا".. وعليه – أيضا – أن يكون على حذر من إخراج بعض عناصر الحق، واعتبارها ليست منه.. أو تختلط عليه بداياته بغيرها، فلا يدخل فيه أصلا، أو يدخُله لكن يدخِلُ معه فيه غيرَه.. فيسقط – والحالة هذه – في باطل "التقصير والتفريط"، ولا صلة لشيء مما ذكر – إطلاقا – بمفهوم مصطلح وسطية الإسلام".
وأشار الباحث إلى أن "المنجي من غائلة "الغلو إفراطا"، وبائقة "التقصير تفريطا": فهو ما كان بين ذلك قواما، أعني نهج الوسطية الحقّة، المحقّقة للاستقامة على جادة الصّراط المستقيم.. لكون الوسط هو الأقوم الأعدل، الموصل إلى الغاية بأيسر وأقصر الطرق الموافقة لقصد الشارع ومبتغاه، وكل ما خرج عن هذا الحدّ ولم ينضبط بما تضمّنه من قيد كان مذموما.. لأن القصد رعاية الوسط الممدوح في جميع الأمور، وترك الإفراط والتفريط في جميع المسائل، خاصة الاعتقادية منها لترتب غيرها عليها صحة وفسادا.. مدحا أو قدحا.
وخاطب الباحث أعضاء اللجنة العلمية قائلا: "من المعلوم أن المؤلَّف يُقرأ فحواه ومضمونه من عنوانه الذى يُفترض أن يكون جامعا لشتات أجزائه مانعا من دخول غيره فيه أو عليه، لذا كانت معرفة العنوان متوقّفة على وضوح دلالة أجزائه، وفائدة النسبة بينها في صيغتها التركيبية، لأن المركّب لا يمكن أن يعلم إلا بعد العلم بمفرداته، خاصة من الوجه الذي لأجله سيق التركيب فيه".
وأضاف أن مقتضيات المنهج في البحث العلمي الأكاديمي استدعت تعريف الألفاظ المؤلِّفة في صيغتها التركيبية للعنوان، بعد تفكيكه، وتتبع أجزائه: نشرا وتحليلا وتعليلا، إذ الغاية من الألفاظ في أصل وضعها اللغوي معرفة غرض المتكلِّم أو الكاتب من كلامه أو مكتوبه، معرفة تشمل المركّب بعد ما شملت أفراده.. وعليه فالمصطلحات المستهدفة ضمن مشمولات عنوان هذه الأطروحة هي ألفاظ: "الوسطية"، "الأصول"، "العقيدة".
وأردف "وهذا يقودني إلى التطرق بإيجاز لذكر مجمل الخطة المنهجية التي اتّبعتها لمفصلة عناصر هذا العمل حيث استقر تصوّري لها على النحو التالي:
1 ـ المقدمة: تطرقت فيها لمضمون البحث والحاجة إليه مع ذكر الأسباب الداعية لاختيار هذا الموضوع بالذات والصعوبات والعراقيل التي اعترضتني أثناء مكابدته مع الإشارة لأهم الإشكالات التي يثيرها، وطبيعة المنهج العلمي المعتمد في معالجته.
2 ـالباب الأول: ويعنى بضبط وتحديد المرادات التي لأجلها سيقت المصطلحات (الكلمات المفتاحية المشكلة في صيغتها التركيبية للعنوان)، وببيان الحاجة لتجديد العقيدة في ضوء الوسطية، من خلال أربعة فصول ضمت أربع عشرة مبحثا.
3 ـ الباب الثاني: ويعالج مفهوم ووجه الوسطية في أركان وأصول الاعتقاد من خلال سبعة فصول استوعبت خمسة وعشرين مبحثا.
4 ـ الخاتمة: وفيها تم بإيجاز تجميع أهم الأفكار الواردة في البحث، وكذا النتائج المتوصَّل إليها، مع الإشارة إلى أن آفاق استشراف مستقبل البحث العلمي الممنهج في هذا الموضوع: [وسطية العقيدة] أو [عقدية الوسطية] يُتلمّس في سياق مواكبة البحث – عقديا – لضرورات التجديد ومقتضياته في كل ظرف وحال بمتطلباته، وبما يلائم سيرورة تقلبات الأفكار فيه، ضمن إطار مفهوم وسطي إسلامي أصيل، لا محل فيه لدخن واردات الأفكار، والرؤى والتصورات الغريبة على الإسلام والمسلمين.
وقد اتّبعت لتنفيذ هذه الخطة المنهجية أو البنية الهيكلية ما ألفيته مناسبا لها من مناهج البحث العلمية كالمنهج التحليلي النقدي: من أجل استكناه مستبطنات دلائلها، وتحديد ما يناسب القضايا والإشكالات المعالَجة، بالصيغ والطرق الملائمة، الموافقة لمضمون ومقاصد الشرع، المنسجمة مع العقل ومفهوم اللغة ومنطق العلم – وكذا المنهج الاستنباطي الذي ربما ألجأت إليه الضرورة أحيانا – بعد مقارنة النصوص ومناقشتها وتحليلها وتعليلها.
أساتذتي الأجلاء:
في إطار محاولة منهجة العمل العلمي أكاديميا ضمن هذه الأطروحة سعيت – قدر المستطاع – لأن أكون صريحا فيما أعرضه من آراء، أو أصل إليه من نتائج، مستحضرا أن الباحث ناشد حقيقة، وتلك لا يلائمها التضبيب أو التظليم.. هذا مع احترامي الكامل لآراء الآخرين مهما دقت أو جلت، ولتحقيق ذلك حرصت على الأمانة في نسبة ما تم نقله من نصوص أو آراء إلى ذويها – في الغالب – ما لم يخنّي الإرهاق أحيانا، فتشذ عن هذه القاعدة بعض الاستشهادات أو الأقوال سهوا أو نسيانا.. ذلك أنه من بركة العلم أن ينسب لذويه، لهذا لم أقدم على الزيادة أو النقص أو التغيير المخلّ بجوهر الآراء والنصوص المنقولة، أو توظيفها في سياق نشاز.. وإن حدث تصرف من أي نوع اقتضته مقتضيات المنهج العلمي، فإنني أنبه عليه بعبارة [بتصرف] بعد توثيق النّصّ أو الرّأي، حتى يكون القارئ على بيّنة من أمره.
ثم إنني حاولت – جهد طاقتي – أن أتجرّد من الاعتبارات الذاتية حين أدخل الموضوع بذهنية حاولت عزلها عن المؤثرات العاطفية، قصد أن أنتهي من أي موضوع أناقشه أو أعرضه إلى ما ينهيني إليه، متوسلا بهجر الغرابة في اللّفظ، أو التّعقيد في الأسلوب، أو إدخال ما هو خارج عن أي مسألة فيها، أو الاحتجاج بما يتوقّف بيانه على المحتجّ به عليه ليلاّ يلزم الدور أو التسلسل.
كل ذلك مع محاولة استحضار أن يكون ما جيء به مسوقا على حسب إدراك المخاطَب من أهل العصر، بمقتضى ما تدعو إليه حاجته – برأيي-.
وفي ختام الختام لا أدعي – أبدا – في هذا العمل بلوغ الغاية المثلى، وحسبي أنني حاولت، مهما قصرت أو نسيت أو أخطأت…
أما عزائي ففي ما سيحظى به هذا العمل بعد لحظات من تقويم وتقييم من طرفكم سيادة أساتذتي الفضلاء أعضاء لجنة الفحص العلمية المحترمة، وهو ما سيمكنني من تدارك الخطأ وإصلاح الزلل تقويما وتصويبا، حتى يتسنّى إخراج البحث في حلّته النهائية ليأخذ مكانه بين نظرائه على رفوف المكتبة الإسلامية خصوصا والإنسانية عموما.
وما توفيقي إلا بالله الذى له الأمر من قبل ومن بعد .. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين].
وبعد نقاش مستفيض استمرّ من صلاة العصر إلى ما بعد صلاة المغرب، تم فيه التنويه بالبحث والجهد المبذول فيه، حيث تكرر التأكيد من طرف أعضاء اللجنة بأن هذا العمل يشكل قيمة علمية مضافة، جاء ذلك – مثلا – على لسان كل من الدكتور مصطفى الهند الوافد من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بمدينة المحمدية، والدكتور أحمد الزيادي الوافد من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بمدينة القنيطرة..
وبعد ما استمع الباحث إلى ملاحظات قيّمة من طرف أعضاء اللجنة المناقِشة من شأنها أن يزدان بها عمله وتتعزّز قيمته العلمية، استأذنتْ اللجنة لتشرع في المداولات تحت رئاسة وإشراف عميد الكلية، لتخرج إثرها معلنة أمام الجمهور النوعيّ الذي غصّت به القاعة أنها قررت إجازة هذه الأطروحة ومنح صاحبها درجة: [مشرف جدا] التي هي أعلى ميزة وتقدير يمنح لبحوث وأطاريح الدكتوراه كما هو معلوم في الأوساط الأكاديمية.