جدول المحتويات
على منابر الحجيج عُرف الموريتاني، أكان ذلك تحت عنوانه الأول "الشنقيطي" أم في ثنايا رحلته السياسية بعد تأسيس الجمهورية الإسلامية الموريتانية 1960.
ولم تكن رحلة الحجيج عندهم إلا أملا بمثابة الحلم بذلك شدوا في أشعارهم، فقال الشيخ سيد محمد بن الشيخ سيديا:
سوى أني استباح حريم صبري
هوى الحرمين أشرف موطنين
وسوف تفي العزائم والمهارى
بوعد منجز من وافيين
فقد منينني قبل المنايا
مرور ركائبي بالدهنوين
ينازعن الأزمة سالكات
ممر الجيش بين العدوتين
تبادر بالحجيج ورود بدر
ويحدوها الحنين إلى حنين
وتعلقا بالحجيج يقول محمدو ولد محمدي:
تجلدْ جهد نفسك للفراق
وكفكف غرب سافحة المآقي
وجرد من عزيمك ما يوازي
مترات المهندة الرقاق
ونكب عن مقال أخي الهوينا
وعنها فهي خاسرة الصفاق
إلى البيت العتيق بنص إحدى
عتاق الكوم أو أحد العتاق
إلى أن يقول:
بزمزم غُلّتي تَغلي فمن لي
بكأس من مدامتها دهاق
صفا نفسي الصفا ومِنًى مناها
وبالجَمرات قلبي ذو احتراق
ويطل علينا الشاعر محمد ولد إمام بديوان أصداء الذي عانق فيه ماضي الشعر حاضره وفيه تألق المنبر الديني ليبوح بمكنوناته أكان عرف بها من قبل أم لا.
فقد حجز لشعر الحجيج مكانه في المقاعد الأمامية وفي تلك المقاعد نفسها حجز لشعر لم تبح المنابر الدينية به كثيرا وهو شِعر رمضان..
فما كانت للمنابر الرمضانية منزلتها في الشعر العربي ولكن الشاعر محمد ولد إمام أحلها منزلة أمامية أو إمامية..
وأعاد لشعر المديح ألقه الحساني وعندما نقول ألقه الحساني فإننا بذلك نثبت صلته بالشاعر الصحابي الجليل حسان بن ثابت الذي مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكتفيا بما له من إيحاءات لا تتكرر في غيره دون اللجوء للمقدمة الغزلية التي دأب عليها شعراء ما بعد حسان حتى وقت قريب في تزكِياتهم لِممدوحيهم.
أما حسان فاكتفى بالإيحاءات النبوية، وكذلك سار على هذا النهج شاعرنا محمد إمام وغيره من شعراء المديح المعاصرين.
ولنعد قليلا إلى منبر الحجيج ضمن ديوان الأصداء:
يقول محمد ولد إمام: جرتْ اليومَ ريحٌ طيبةٌ أثناء تغيير كسوة الكعبة المشرفة، فأبدتْ البناء الداخليَّ لها، فكتب:
شَـوْقـي لِـمَـكَّـةَ والـمَـقـامِ صَــحيـحُ
قَدْ شَفَّـنـي بِـهَـواهُـمـا الـتَّـبْـريـحُ
وَلِـرُؤيَـةِ الـبَـيْـتِ الـعَـتـيـقِ مَـحَـبَّـةٌ
تَشْـفـي الـمُـدَلَّـهَ بِـالْـهـوى وَتُـريـحُ
وَالـيَـوْمَ ريـحُ الـطِّـيـبِ قَـدْ مَـرَّتْ بِـهـا
لِلّٰهِ مـا فَـعَـلَـتْـهُ تِـلْـكَ الـرّيـحُ!
كَـشَـفَـتْ لِـنَـاظِـرِهـا مَـحـاسِـنَ جَـمَّـةً
"حُـسْـنُ الـعَـزاءِ وَقَـدْ كُـشِـفْـنَ قَـبـيـحُ"
ليس الشوق لمكة مجرد مشاعر وجدانية عابرة، بل هو شعور بالفقد حين يشعر المسلم بِأنه يفتقد الركن الخامس مما فرضه الإسلام ولذلك جاءت العبارات في قصيدته شوق إلى مكة مشحونة بالأسى (شفني بهواهما التبريح…) إلى غير ذلك مما يتيحه النص من تعلق بالحجيج باعث على الأسى…
ولا يبعد مقعد الركن الخامس كثيرا عن الركن الرابع ففي حنين شجي يخاطب محمد إمام رمضان:
مهلاً رمضان:
أيُّها الضيفُ هل عزمتَ رحيلاً
وهجرتَ المشتاقَ هجراً جميلاً؟
بعدَ عامٍ يأتي الوصالُ شفاءً
ليتَ هذا الوصالَ دامَ طويلاً
هو ضيفٌ يأتيكَ أهلاً وسهلاً
إن أتى غيرُه بطيئاً ثقيلاً
بهلالٍ في الأفقِ شعَّ ضياءً
تتمنّى إن زالَ أن لن يزولا
فلأيّامِه صفاءٌ ونورٌ
يجعلُ الصومَ سائغاً سلسبيلاً
ولياليهِ، إن ناشئةَ الليلِ
بساعاتِهِنَّ أقومُ قيلاً
فلكَ الحمدُ أن أتى والتقينا
لستُ أبغي بذا اللقاءِ بديلاً
صومُ ذا الشهرِ نعمةٌ من كريمٍ
فاتَ العالمينَ إلّا قليلاً
فلنُدِمْ روحَه وإن أفلَ الشهرُ
فلسنا نخشى عليها الأفولا
وهي قصيدة تسحب من رمضان صفة الضيف الثقيل وتمنحه صفات الإشعاع والنور (بهلال في الأفق شع سناه … فَلِأيامه صفاء ونور)
ويتخلل ديوان أصداء عناق بين الركنين الرابع والخامس كما في القصيدة التالية:
مزارات المدينة ومكة:
قيلت في المدينة المنورة، أبريل 2023
هنيئاً لنا بالشهرِ والشفعِ والوترِ
وبالعشرِ منه سيّما ليلةَ القدرِ
نهارُ صيامٍ ثم ليلةُ قدرِه
سلامٌ على الدنيا إلى مطلعِ الفجرِ
وبالروضةِ الخضراءِ والمنبرِ النقيِّ
ومكّةَ دارِ الوحيِ والنورِ والبِشرِ
وبالسعيِ بين المروتَينِ وزمزمٍ
وبالحجرِ الأنقى وبالركنِ والحجرِ
وذا أُحُدٌ والمستظلُّ وعِذقُه
وذاك قُباءٌ طيّبُ الذكرِ والنشرِ
وذا بئرُ عِذقٍ والهجيمُ ونخلُه
وذا السِّدرُ يَبأى بالفخارِ على السدرِ
وهذا بقيعُ الصالحين بزوره
ترقُّ قلوبٌ قد صدِئنَ من الهجرِ
فحمداً وشكراً أن حبانا بعمرةٍ
إلهي وزادَ الجودَ بالحمدِ والشكرِ
فهذا مقامُ القانتين لربِّهم
بذكرٍ جميلٍ جاء في محكمِ الذكرِ
وترتيلِ آياتِ الكتابِ تدبّراً
وبِرٍّ به ندنو من الأحدِ البَرِّ
نفضّلُ أجرَ المحسنين بفضلِه
على الذهبِ المنظومِ والنائلِ النثرِ
وإن أخلفت بيضُ السحابِ فمُزنُه
على كلِّ قُطرٍ لا تكفُّ عن القطرِ
سحائبُ رُحمى واكفاتٌ بعفوِه
تسحُّ على سودٍ وتُقلِعُ عن خُضرِ
ومنَّ علينا بالسعادةِ في الدنا
وعند اشتدادِ الهولِ في القبرِ والحشرِ
وصلّى على خيرِ النبيّين ربُّنا
وآلٍ ذوي طهرٍ وصحبٍ ذوي فخرِ
ومهديهمُ مدحاً كجالبِ تمرِه
إلى هَجَرٍ أو جالبِ الماءِ للبحرِ
وإذا كان المطر منبع الرحمات وبِمقتضاه تعانق الأرض عطاء السماء فكذلك كان الموسِمان موسم الحجيج وموسم رمضان كما في قصيدة سحائب رمضان هذه، ففي حين كان الشاعر معتمرا وانزاح همه كما تنزاح هموم الناس بعد المطر تزاحمت في رؤاه عظمة المكان (البلاد المقدسة) مع عظمة الزمان (رمضان) فجاءت الأبيات الأربع الأولى مشعة بنور رمضان لتتَفرد القصيدة بعد ذلك لسمو المكان (الحرمين).
ولم تقتصر القصيدة على المنبرين منبر رمضان ومنبر الحجيج بل إنها تناغمت أيضا مع ما تتيحه التلاوة لدى المسلم من إلهام فوق التصور.
ولم يغب شعر المديح كما أسلفنا عن بوح المنابر في ديوان أصداء فله فيه صولات وجولات
أستحضر بعضها:
رسالة للحبيب!
وقد شَرُفت هذه الأبيات بقراءتها أمام الروضة الشريفة:
ألا مَنْ مُبلغٌ عنّي رسالةً
تؤمُّ المصطفى الماحي وآلَهْ
رسالةَ وامقٍ يُهدي قريضاً
يُطاوعُه إذا رامَ ارتجالَهْ
بها يرجو الشفاعةَ والأماني
وتحقيقَ الرجا في كلِّ حالَهْ
وتيسيراً وتوفيقاً وعفواً
به تُمحى الجهالةُ والضلالةْ
ولم يتركْ ثناءُ الله فيه
لذي قولٍ مقالاً أو مقالةْ
صلاةُ الله جلَّ عليه دوماً
تُجدَّدُ بالعشيِّ وبالضُّحى لَهْ
ليس التغني بالمشاعر الدينية إلا نتيجة للالتحام القوي بها،
وحين تتفتق قريحة شاعر فهو سيد نفسه في ما يتناول ولذلك مارس محمد ولد إمام هذه السيادة
على منبر تفرد فيه للمشاعر الدينية بسخاء.
مع أن الديوان مشبع بأغراض أخرى لكن المنابر الثلاثة كانت ركائزه الأساسية.
عابر سبيل!
كُنْ في الحياةِ كعابرٍ لسبيلِ
واتركْ جميلاً إثرَ كلِّ جميلِ
وارضَ القليلَ من الحياةِ فكلُّنا
عمّا قليلٍ راحلٌ بقليلِ
وعِشِ الحياةَ ولا تُبالِ بصرفِها
ودَعِ الأنامَ لقالِهمْ والقيلِ
حب النبي!
أخافُ ذنوباً كمِثلِ الأتي
أساءتْ إليَّ وجارتْ عليَّ
ولكنَّ ربّي علا راحمٌ
ورُحماهُ قد وسِعتْ كلَّ شيء
وكيفَ أخافُ ولي ذمّةٌ
بحبِّ الإلهِ وحبِّ النبيِّ؟