تخطى الى المحتوى

ليال ليلاء بين مشافي ولايات ثلاث (3/4)

بقلم: عز الدين مصطفى جلولي - كاتب وأستاذ جامعي جزائري - [email protected]

جدول المحتويات

غادرت غضِبا المدية داعيا على إدارة المستشفى طوال الطريق، سائلا المولى عز وجل أن يلطف بنا، حتى وصلنا بوابة مستشفى مصطفى بن بوالعيد بالبليدة. وكأن الله استجاب دعوة الملهوف وفتح لها أبواب السماء، فقد استقبلنا الحارس على بوابة قسم التوليد تحت زخات المطر المنهمر أحسن استقبال، ووجه العليلة إلى غرفة المعاينة حيث كانت الطبيبات المختصات في الاستقبال كأنهن كن ينتظرننا حتى نصل، وبقيت إلى جوار الحارس أنتظر النتيجة بفارغ الصبر. وكأن محدثي أحس بي، فراح يكلمني عن الخدمات الموفورة وصندوق المعونات الطبية، الذي يساهم فيه موظفو الصحة بقسط من رواتبهم ولا يستردون منه شيئا، موضوع خصيصا للحالات التي تحتاج إلى دواء أو تصوير خارجي ولا تجد ما تدفعه، حتى يأتي أهل المريض إليه، فإن أحبوا أن يسددوا للصندوق ما صرفه على ذويهم فعلوا، وإلا فإن الصندوق سيضع عنهم ما صرف. فقلت: "هذه لفتة طيبة من قطاع الصحة في مدينة الشريعة والورود".

لم تمض إلا هنيهة حتى خرجت المريضة وهي تبتسم كأنما نشطت من عقال، لتخبرني بأنهم قرروا إبقاءها عندهم تحت العناية ليروا ما سيفعلونه بها، فإما العلاج الكيمياوي وإما عملية جراحية مستعجلة. وكان علي في حينها مباشرة إجراءات التسجيل عند مكتب الاستقبال، فتم كل شيء بسلاسة ويسر ولله الحمد والمنة.

لماذا تأخرت عن الفحص الطبي؟ جرب هذه الوصفة واجر لي هذه التحاليل وراديو، ثم عد إلي في هذا الموعد وإلا سيتضاعف المرض، وسأبعثك لمن يجري لك العملية خارج المستشفى... هذا جل ما يدور على ألسنة الأطباء الخواص، إلا من رحم ربك. وقد تلبس معظم هؤلاء بلباسين، أحدهما التجارة والثاني الاستغلال، أما لباس التقوى والشفقة على المرضى فعملة نادرة. ولست أدري كيف يستمرئ الأطباء الخواص أخذ أجرة من المريض يعتبرها المجتمع غالية ولا مبرر لها أحيانا. ولقد عاينت مرة طبيب العيون لابنتي الوسطى، فسألني القابض: هل هذه أول زيارة لك عندنا؟ فأجبت: "بلى"، فطلب ألفي دينار. في حين دفع من اعتاد الزيارة ألفا وخمسمائة! فما معنى هذا الفارق إذن؟

وبين العيادات اختلافات في الأسعار تتجاوز مائة في المائة في بعض الحالات، من دون أن تجد الرقابة حاضرة لتضبط هذه الفوارق الفجة. ناهيكم، عن أجرة العمليات وكيف تقوّم، فقد يصل بعضها إلى مئات الآلاف من الدنانير، لا يتورع الطبيب عن أخذها من المريض ولو كلفه ذلك حياته، أو لحقت به وبالطبيب مذلة جمع المال بالسؤال في المساجد والطرقات؛ ليطرح الإشكال بوضوح على السلطة: لماذا لا تتكفل المصحات العامة بالجزائريين تمام التكفل، وهي التي ما قامت إلا على خدمتهم وبخالص أموالهم؟

أمر آخر ذو صلة بكلفة الاستشفاء في الجزائر، يتعلق بالضمان الاجتماعي وبطاقة الشفاء، التي تتيح للمريض وفق شروط معينة الاستفادة من تغطية تتراوح بين ثمانين ومائة بالمائة لذوي الأمراض المزمنة. لكنك حينما تقترب من الصيدليات تجد الواقع مختلفا تماما عما كان يروج له. فتلكم النسبة تخصم لمصلحة المريض من سعر الدواء المرجعي لا من السعر الذي يتعامل به الصيدلي، وكلا السعرين مسجلان على علب الدواء! اما الأدوية التي تحمل شريطا أحمر على الطابع، وما أكثرها، فغير مغطاة بالضمان كليا! هذا إذا وجدت الدواء متوفرا، أما إذا كان غير متوفر، فهي فرصة للتربح تغتنمها الصيدليات، لتشير على المرضى بإمكانية توفيره عبر "الكابة"، أي نوصي أحدا قادما من خارج البلاد كي يجلبه لك معه في الحقيبة لقاء مبلغ من المال، في إخراج لا يخلو من خداع، لسوق موازية تنشط عبر الحدود الدولية للبلاد، لا أظن بأن حماة الحدود ليسوا على علم بها.

في البليدة تصدمك البنية المترهلة للمستشفى، وبسوء التهيئة العمرانية، حتى التحسينات التي أجريت على هذا المبنى سيئة الإنجاز، وحتى الأمطار المتساقطة بكثرة تركت ندوبها على الطلاء الأبيض الخارجي، فتغير بياضه جراء الهواء الملوث بالدخان إلى السواد، حتى عافته عيون الأصحاء فكيف بالمرضى. وإذا ما بحثت عن مرحاض لم تجد غير واحد في مرأب السيارات قد تلاصق ما خصص منه للرجال بما هو للنساء، تعوم أرضيته في بركة ماء يتسرب من الحنفيات والأنابيب المكسرة وتختلط فيها الأوراق بالنجاسات. وظننت بأن غرف المرضى تحظى بمراحيض أنقى وأطهر، فلما دخلتها بقسم التوليد وجدتها كبراميل النفط الصدئة شيدت داخل غرف مكتظة بالمرضى، فلا يجد الزائر مكانا يقف فيه بين الأسرة ولا كراسي يجلس عليها.

دخلت مريضتي قسم التوليد ليلة الجمعة، وأمضت يوما كاملا بلا طعام، إلا ما كان معها من لقيمات جلبتها معها ونحن في الطريق، ولما سألتها عما تناولت خلال اليوم أخبرتني بأنه لم يقدم إليها أية وجبة في المستشفى، لأن الإطعام في يوم الجمعة متروك للجمعيات الخيرية كما كانوا يتقولون! واضطرت لتشتري من المحلات الآلية التي وضعت في بهو الأقسام شيئا سدت به جوعتها. وللمفارقة فإن أكثر ما يباع في هذه الخزائن الآلية من الحلوى والسكريات وأنواع أخرى من المشروبات كالقهوة والكبتشينو، بضائع معتنى ببيعها غاية الاعتناء، في الوقت الذي كنت أتلقى رسائل نصية عبر الهاتف من وزارة الصحة تحذر من هذه المأكولات وتنصح بتناول ما هو طبيعي!

في البليدة، حيث يمنع منعا باتا على النساء والرجال اللباس غير المحتشم، يلج الرجال في أوقات الزيارة غرف مرضاهم في النهار وفي الليل. والحق يقال، إن بعض المستشفيات في قطرنا العزيز تمنع ذلك على الرجال مطلقا، وما على الرجال إلا اصطحاب نسوة يتولين الدخول إلى هذا القسم الخاص جدا. فلقد دخلته أول مرة مع الداخلين والداخلات فلفعتني روائح النسوة والرضع والأطعمة المتنوعة التي تجلب إلى القسم تبريكات للمواليد. كما لفت انتباهي تحرج بعض الأمهات من إرضاع صغارهن الذين يبكون أمام الأجانب، وبعضهن يسألن إحداهن المعونة كيما تدخلها المرحاض. ولفرط ما هي ضيقة تلك الغرف والتي لا تتسع إلا لثلاثة أسرة لا تكاد تكون بهذا الحال إلا وهي متلاصقة، فقد توزعت أسرة أخرى في بهو القسم هنا وهناك، تستلقي عليها نسوة أخريات يأنن من وجع العمليات القيصرية التي لا تكاد تتوقف في كل مستشفياتنا، وكأنه لا حل لخصوبة المرأة الجزائرية وتحديد نسلها إلا بهذه الطريقة.

ولا يخلو الأمر من نوافذ مظلمة في ما يتطلبه المستشفى من تحاليل طبية وراديوات، يجرى بعضها داخل المستشفى ويشترط في بعضها الآخر أن تجرى من خلف الأسوار، أسوار من ورائها مخابر ذات أسعارها لا ترحم، رغم أن معدات المستشفى أقدر وأولى. ولقد ظللت آخذ عينات الدم إلى هذه المخابر وأعود بها إلى الطبيبة طيلة الأيام التي قضتها المريضة في البليدة. الأمر الذي يحيلنا على السؤال الصعب عن مصلحة المرضى من توسل مخابر خاصة والاعتماد عليها في تشخيص حالات ترقد بمستشفيات عامة؟ إضافة إلى السؤال عن معنى أن يوجه الأطباء مرضاهم إلى مخابر بعينها من دون أخرى تقع بالجوار منها؟

ويحدث أن تصدمك نكات مضحكة مبكية في أروقة مستشفى مصطفى بن بوالعيد بالبليدة، فلقد سلمتني ممرضة تعمل فيه أوراقا مختومة تطلب مني فيها إحضار الدم ذي الزمرة الخاصة بأهلي، لأنهم سيكونون بحاجة ماسة إليه في حال العملية الجراحية، وأخبرتني جازمة بأن أكياس الدم الفارغة ليست متوفرة، وما يباع منها في الأسواق غير صالحة، فقلت لها: "فما العمل إذن ونحن في الجزائر الجديدة"؟ فأشاحت بوجهها عني وتركتني قائما في وجوم.

الأحدث