تخطى الى المحتوى

ليال ليلاء بين مشافي ولايات ثلاث (4/4)

بقلم: عز الدين مصطفى جلولي

جدول المحتويات

التصوير بالرنين المغناطيسي (IRM) مهم في كشف علل المرضى، لكنه غال جدا، وقد يستنفد معاش أسرة جزائرية متوسطة الحال نصفه أو أكثره، ولا يبالي الأطباء المختصون بطلبه من أحدهم غير مراعين تكلفته التي تثقل كاهل الجزائريين، الذين يغلب عليهم الفقر وفق مؤشر الشرع الحنيف؛ أحببت وأنا أتردد على مستشفى البليدة أن أسأل بعض العاملين به عما إذا كانت هذه الخدمة متاحة لمن يحتاج إليها من المرضى؟ فعلمت أن جهازا واحدا يتوفر في وحدة "فرانتس فانون" وعليه ضغط كبير لكثرة الطلب عليه. فسألتهم: "فما العمل إذا ما طلبه الأطباء بالمستشفى؟"، فقيل لي: "ينقل المريض بسيارة الإسعاف ويجرى له التصوير على حسابه في مراكز تصوير خاصة"!

إن هذا يبين للناس حدود الخدمات الاستشفائية العامة، رغم ما لوزارة الصحة من ميزانية ضخمة، أو يبين نقصا فادحا في الخدمات إذا ما كانت الميزانية قاصرة عن بلوغ هذه الغايات. تمتع الجزائري برزقه الوفير في كافة المجالات حق لا ينبغي أن يؤخذ منه شيء، وإن بعض الدول الصغيرة وصلت إلى الرفاهية الطبية وليس لديها ما لدى بلادنا من الخيرات؛ إذن يلقى المريض عندنا فريسة للخواص الذين وجدوا في الطبابة ببلادنا تجارة رائجة، لكنها تجارة في أجساد البشر وأرواحهم مع الأسف الشديد. وذلكم هو الطعم المرير من رحلة الاستشفاء بالجمهورية الجزائرية، التي يصر مسؤولوها على طابعها الاجتماعي.

أكثر المرضى والزوار في مستشفى ابن بوالعيد بالبليدة يقدمون خدمات يبغون المثوبة من ورائها، خاصة من أهلنا في الجنوب الكبير. يحدث أن ترى نشازا كالذي رأيته مع امرأة من مالي وضعت ابنا وغادرت قسم التوليد من دون أن يقترب أحد منها ليسألها ما حاجتها إلا قليلا منهن، كان الجميع يتوهم بأنها تحمل فيروسا! وكأن المستشفى كان يعج بالأصحاء! سلوك شاذ يقابله عطف لا حدود له في أرصفة الطرقات وفي الجوامع على هؤلاء المهاجرين الأفارقة، حتى غدا أصحاب المحلات التجارية يعتمدون عليهم في توفير السيولة النقدية التي تعاني من شحها الأسواق الجزائرية.

شارع العشرين مترا المحاذي لمستشفى حسيبة بن بوعلي والذي يقطع حي ابن بوالعيد إلى نصفين، تصفّ الحوانيت على جانبيه بطريقة أوروبية، وتعرض سلعا تشي بنزوع أهلنا نحو الرفاهية في الملبس والمأكل والأثاث، رفاهية لا تنجد جيوب أهلها على بلوغها في هذه الأيام الصعبة. ربما كان على الناس أن تعمل بالوصايا النبوية في العيش الخشن، فالحياة متقلبة ولا أمان لها؛ لذلك تعيب على من كان يتكسب بتجارته من زوار المستشفى ومرضاه مغالاتهم في الأسعار، الطعام القليل لقاء أثمان مرتفعة، والحاجات الباقيات مما قد خبره هؤلاء التجار من طلبات الراقدين على أسرة المرض والراقدات لا تخلو هي الأخرى من مزايدة بين محلات قريبة من مبنى المستشفى وأخرى بعيدة عنه. لقد كان بالإمكان أن تباع هذه البضائع بأسعارها العادية في السوق، من دون أن يشعر الزوار باستغلال الحوانيت لهم بحكم الظرف والزمان والمكان، كي لا أذهب بعيدا لأقول إنها فرصة من ذهب لمن يريد المتاجرة مع الله في باب قد فتح على مصراعيه لهؤلاء التجار، الصدوق الأمين منهم موعود بمكانة مع الأنبياء والصدقين والشهداء.

في شارع العشرين مترا فوضى هندسية لا تخطئها العيون، فزحام السيارات لا ينقطع، لا تدري أي السيارات أكثر عددا، التي تمر متثاقلة أم المصفوفة على جانبي الطريق؟ المهم أنه بقي للمشاة رصيف يتسع لهم حينا ويضيق بهم أحيانا كثيرة، فلا يكاد يعبر منه اثنان إلا إذا توقف أحدهما للآخر. والكل يرقب مواضع قدميه أين ستقعان، أفوق بلاطة رخامية قد تجمعت من تحتها مياه الأمطار أم فوق أخرى لا مياه تحتها. بلاط كان في الأصل بقايا مكسرة تخلت عنها ورش الرخام، استجلبها المقاولون لترصيف هذا الشارع الرئيسي بمدينة الورود.

ومع كثرة اختلافي إلى المستشفى طيلة الأيام التي قضتها المريضة فيه، ومع تراكم المصاريف التي لم أك أنا الجزائري الوحيد الذي يتحملها، تحسبا من تقصير الرعاية الصحية داخل هذا الصرح الجامعي _ تفطنت إلى فكرة الاستعانة بأهل البيت في تحضير أشياء كثيرة كنت أقتنيها جاهزة من المحلات التي ترى في الزبائن الغرباء سمكا لا بد أن يقع في الشباك؛ فوجدت في الأسواق الشعبية غنية لا بأس بها لنصنع ما يلزم المريض من غذاء كما ونوعا، حتى فاضت بركته على كثير ممن كان يقضي للعلاج بهذا المستشفى أياما وشهورا وسنوات.

كما لفت نظري طباخ وسيم قد وقف على باب حانوته الصغير جمع من الناس من خلفه جمع آخر، لا تكاد تنفض عنه الجموع طيلة فترة الغداء، محل لم يك يتسع لأكثر من شخصين ومواعين خصصت للطهي، قد اتخذ هذا الطاهي من رأس حانوته مكانا لطاولة ذات رفين زجاجيين، وضع في أعلاهما أرغفة الخبز الإفرنجي والمطلوع، وسكينا ذات أسنان حادة كالمنشار، وأوراقا رقيقة يلف فيها الساندويتشات. وفي الرف السفلي ثلاث صوان، واحدة للقرنطيطة، وأخرى للبطاطا المقلية، وثالثة لدجاج مفروم متبل، وبينها علبة هريسة بها ملعقة كبيرة. ولفرط ما اعتادت يداه على العمل المكرور ولسانه على سؤال الزبون عن حاجته في كلام وجيز ونظراته التي تذهب يمينا وشمالا ولا تخلو من غمز أحيانا كي يحفظ للناس أدوارهم في الطابور _ تخال أنك أمام آلة ظريفة قد شدت انتباه المارة الواقفين على أرجلهم لا يتململون من طول الانتظار.

وفي البيع ذكاء فطري لا هُبّال فيه، فكل ما رأيته من محلات من حول المستشفى قد اتخذ أصحابها فيها مجالس فارهة، وخدما يلبسون مآزر خاصة، ودعاة أمام البوابات ينادون المارين أن ادخلوا... وكل ذلك يزيد من ثمن ما يباع للمشترين. في حين تخلى صاحبنا بائع القرنطيطة عن ذلك كله لمصلحة الزبائن، فأصبح ساندويتشه مغذيا رخيصا مرضيا عن صناعته عند الجميع. حتى الأكياس البلاستيكية التي يضع فيها ما يبيع كان يسأل زبائنه عنها إن كانوا سيأكلون ما يشترونه وهم أمام المحل أم يرغبون في أخذه ليضعه فيها.

ما الذي ينقص بلادا كالجزائر لتنظم النقل العمومي كيما يسير على السكة والدقة؟ إنك لا تكاد تلفي مركبة واحدة لها برنامج منضبط لا يخلو من اضطراب، وقد أورث ذلك ضياعا في مصالح الناس وأعمارهم لا يمكن تعويضه البتة. وقد حدث لي أن شهدت حافلة تأخرت في نقل الناس من محطة الركاب الجديدة نحو أحياء عدة في المدينة، فاقتربت من مراقب كان يسجل على ورقة، كالطفل في مرحلة الابتدائي، دخول الحافلات وخروجها، ويجتهد في ما أتيح له من سلطان كي ينظم الاضطراب إذا ما وقع، فسألته عما كنت أرى من تكدس الناس في الموقف ينتظرون طويلا ولا كراسي تريح كبار السن والمرضى إلا الأرض المبللة بالأمطار، قد اتخذوا لها شيئا ملقى على الأرض يفترشونه، فقال لي: "أهذا كل ما رأيت؟ إننا نشكو من ذلك نحن أيضا، لأنه في هذه الظروف تكثر السرقة وقضايا تتعلق بالنساء (تعبير مؤدب يعني التحرش)".

كما يشيع التسول في المحطات وفي داخل الحافلات من شباب قوي قادر على العمل، وأساليب التسول واحدة وإن تنوعت قصصها، فهذا يريد السفر إلى ولاية كذا ولا يجد ثمن التذكرة، وذاك سجين خرج لتوه ولا مال معه، وذلك لديه ابنة لها قلب مفتوح قد عرض على الناس صورة لطفلة على هاتفه الغالي الثمن! ومن عجب أن تجد الناس، خاصة النسوة منهم، يتعاطفون، بعدما يتمنعون لحين، ويقدمون للسائل ما طابت به أنفسهم.

ويحدث أن ترى أغرب من ذلك، فقد اعتادت حافلة على التوقف بالقرب من سكة القطار، لأنه مكان يناسب من يريد الوصول إلى محطة الحافلات الرئيسية سريعا، رغم كونه موقفا غير قانوني. لم أك أعرف ذلك حتى دلني الركاب على هذه الحيلة الجهنمية. نزلت عشيتها في هذا الموقف مع النازلين وأسرعت الخطى باتجاه مسلك ضيق قد اعتاد الناس المرور عليه، وكانت تجري به سيول قوية غطت حاشيتي السكة الحديدية من جراء الأمطار الغزيرة التي هطلت. سمعت امرأة كانت تمشي من ورائي تقول لي: "الترا"، فظننتها تقول لي : "الماء"، تطلب مني مساعدتها على تخطي السيل، لم يكن بين ندائها الأول وندائها الثاني غير لحظات جال خاطري فيها بحرج الإمساك بيدها لتتخطى تلك السيول، ترددت في القفز وحدي بادئ ذي بدء ثم هممت به فنادتني ثانية: "الترا"، تشير بقرب مرور قطار صامت لم يكن يطلق أبواقه في مثل هذه الأماكن الخطرة، فقفزت في لمح البرق إلى الخلف، ورأيت السيدة تنظر إلي مندهشة: "ألم تر الترا"!؟ فقلت: "لا، ولولا أن الأجل طويل لقطعتني عجلات القطار تحتها إربا إربا".

الأحدث