جدول المحتويات
بشأن الجدل الدائر حول هدا التعيين أود في البداية إحاطة الجمهور علمًا — بدءًا من رئيس الجمهورية وصولاً إلى المواطن العادي، ومروراً بزملاء المهنة — بأن الأستاذ الباحث يحيى ولد محمد الوقف ليس متقاعدا وفقًا للقوانين والنظم الموريتانية المعمول بها؛ وذلك لسبب بسيط وهو أنه لم يبلغ بعد سن الثامنة والستين (68).
أما ما يُتداول حول التقاعد عند سن الخامسة والستين (65)، والمعروف في حقل التعليم العالي بـ "تقاعد ولد بلال"، فقد تم بالفعل تقنينه بموجب المرسوم رقم: 2022 - 137 الصادر بتاريخ: 30 سبتمبر 2022، المعدل لبعض ترتيبات المرسوم رقم: 2006 - 126 الصادر بتاريخ: 4 ديسمبر 2006. ومع ذلك، يظل هذا الإجراء في نظر المعنيين غير شرعي وغير دستوري والعمل جار لإقناع الدولة بالعدول عنه.
.
كما أود التذكير بأن رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني بصفته رئيس الدولة يتولى السهر على احترام الدستور وحمايته وضمان السير المنتظم للسلطات العمومية فضلا عن إصدار القوانين. وفيما يتصل بموضوعنا تنص المادة: 32 من الدستور على أن: "رئيس الجمهورية يعين في الوظائف المدنية والعسكرية"؛ كما حدد المرسوم رقم: 2016 - 061 الصادر بتاريخ: 7 أبريل 2016 المتعلق بالوظائف السامية للدولة قائمة هذه الوظائف وقسمها إلى مجموعتين (المجموعة: 1 والمجموعة: 2).
أما التعيينات في الوظائف السامية من للمجموعة: 1 وعددها 13، فتخضع للسلطة التقديرية المطلقة لرئيس الجمهورية، وتتم بموجب مرسوم رئاسي.
وفقًا لروح كل من هذا المرسوم ومن الدستور أيضا، يحق للرئيس تعيين المتقاعدين وغيرهم في الوظائف السامية من المجموعة: 1.
بناءً على ما سبق يجب الكف عن الاستناد على مرسوم ولد بلال الفاقد للشرعية وللدستورية كما تبين أعلاه وعن زرع الشك كذلك حول شرعية تعيين ولد الوقف وعن إثارة بلبلة لا مبرر لها إطلاقا.
من جهة أخرى أغتنم هذه المناسبة لتوضيح بعض الجوانب الإجرائية للزملاء من الأساتذة الباحثين والباحثين في مؤسسات التعليم العالي المتعلقة بالمراسيم الصادرة عن مجلس الوزراء والتي تنقسم إلى قسمين:
أولا: قسم المراسيم التي تتم المصادقة عليها نهائيًا أي دون قيد أو شرط، وهذه يتم إرسالها فورًا من قِبل الأمانة العامة للحكومة إلى الوزير المعني بالدرجة الأولى للتوقيع وإلى باقي الوزراء المعنيين لتعود إلى الوزير الأول للتوقيع النهائي. ولا يجوز، من حيث المبدأ، إدخال أي تعديل لاحق على هذا النوع من المراسيم لأي سبب كان ومن أي جهة كانت. وفي حال الضرورة القصوى للمراجعة، توجب القواعد المعمول بها استيفاء الإجراءات القانونية كاملة، بما في ذلك عرض النص المعدّل مجددًا على مجلس الوزراء لاعتماده من جديد، ثم نشره في الجريدة الرسمية. وأي مخالفة لهذه المساطر تُصنف قانونًا كـ"خطأ جسيم" أو "غش" أو "إساءة استخدام للسلطة".
ثانيا: قسم المراسيم المصادق عليها مع "تحفظات" وتختلف حالتها كليا عن القسم الأول حيث يكفي أن تقوم الأمانة العامة للحكومة برفع التحفظات عنها بالتنسيق مع الإدارات التي قد تكون معنية ليبدأ النص مسار التوقيعات المطلوبة والذي ينتهي بتوقيع الوزير الأول.
إن تعيين زميل مدرج فعليًا اسمه في قائمة المتقاعدين على أساس ترتيبات المرسوم 2022 - 137 من الأولى أن يُفهم كإشارة قوية من رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني لأولئك الذين لا يتوقفون عن محاولة إخراج مفاصل الدولة ومؤسساتها عن سيطرة فخامته بدافع طموحات شخصية غير معلنة أو لأسباب أخرى وحاجة في نفس يعقوبه.
مثلا تمرير المرسوم: 2022 - 137 متجاهلا صلاحيات الرئيس التي يمنحها إياه الدستور ومستحدثا نظام تقاعد بلا أساس قانوني، يعتبر إجراء سيؤدي إلى تأليب ضحايا فقرته الثانية من المادة: 39 من سلك التعليم العالي والبحث خاصة الذين تقاعدوا 2025 والذين سيتقاعدون بدءا من هذا التاريخ إلى غاية 2029، مما قد ينعكس سلبًا على استقرار القطاع الجامعي.
ومن الأمثلة كذلك محاولة حظر تعيين المتقاعدين في رئاسة مجالس إدارة مؤسسات وشركات الدولة وهو إجراء يهدف في نظر البعض إلى حرمان الرئيس ونظامه من دعم فئة هامة من الموريتانيين تعرف بـ"حملة الأصوات الانتخابية" وبدورها الكبير في الانتخابات على مستوى أماكن تواجدها.
ويدخل في نفس السياق تعميم وزارة المالية بتاريخ: 3 يناير 2025 الهادف إلى إقصاء الكفاءات الوطنية عبر حظر تولي المتقاعدين منهم إدارة مشاريع التنمية مما فتح الباب أمام الخبراء الأجانب وشجع توظيفهم من طرف الممولين
ويرى العديد من المراقبين أن الضغط الضريبي وإصلاحات "الصندوق الوطني للتأمين الصحي" (CNAM) الأخيرة ومحاولة تخفيف أسعار المحروقات تندرج هي الأخرى في نفس السياسة الهادفة إلى زيادة الضغط على المواطنين من أجل ابتعادهم عن دعم رئيس الجمهورية باعتباره المسؤول الأول عن كلما يجري في البلاد.
بخصوص الحوار السياسي المرتقب فقد يشكل أيضا تهديدًا ليس فقط على شعبية رئيس الجمهورية وإنما على مستقبل موريتانيا التي عرفناها حتى الآن والتي نسعى إلى تطويرها وإلحاقها بركب الأمم التي تحقق الأمن للبلاد والسعادة والرفاه للشعب دون تمييز. من أمعن النظر في خلفية الأطراف المسؤولة أساسا عن الحوار وعما شاع وذاع عن محتواه، لا بد أن يقلق على الوطن من عواقب نتائج ذلك الحوار حتى لو التقت فيه ظرفيا المصالح التكتيكية للنظام مع المصالح الإستراتيجية للجهة المنفذة.
من ناحية أخرى أطلع القراء وحراس النظام أنني لا أدعي المطالبة بدولة قانون مثالية لا ظالم فيها ولا مظلوم بل كلما أطمح إليه هو أن يسمح لي فقط بالاستمرار في التعبير عن رأيي بصوت عال لا سيما حين تُمس مصلحة موريتانيا أو يترصدها خطر متعهدا هنا احترام القانون والأخلاق وتعاليم ديننا الحنيف. وما الهدف من هذا الإصرار على التعبير عن الرأي إلا من أجل الاستمرار في حث الموريتانيين على تقبل وتحمل كل الأعباء وتقديم كل التضحيات الممكنة وغير الممكنة في سبيل ضمان التفاهم والاستقرار والسلم والعدل وبقائها قيما مشتركة يتقاسمها المواطنون على امتداد التراب الوطني.
وفي الختام، تحية إجلال وتقدير للمحامي الدكتور أحمدو عبد الدائم على دفاعه عن ملف الأساتذة الباحثين أمام القضاء منذ 2024 وللذين طالبوا مؤخرا داخل "مجلس الوظيفة العمومية" بالإلغاء التام للفقرة: 2 من المادة: 39 من "المرسوم الملعون والمشؤوم" 2022 - 137. إنه موقف يستحق التقدير خاصًا، مقارنة بموقف ممثلي وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ونقابته الذين اكتفوا بمنح الاستثناء للوظائف الأكاديمية والتربوية وكأنهم يجهلون أن واضع الفقرة الثانية لم يقصد إطلاقا تطبيقها على هذه الوظائف وأن تطبيقها جاء نتيجة لتفسير شخصيً للمرسوم من طرف الوزير الوصي، قام على دوافع سياسية في المقام الأول، ولم يلقَ آنذاك أي معارضة من لدن رؤساء مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي.
والشكر موصول أيضا لمنظمات المجتمع المدني التي تعتزم الدفاع عن ملف التعليم العالي خلال الاجتماعات المقرر عقدها بجنيف في شهر مارس المقبل بشأن التقارير المقدمة بين 19 و30 يناير الماضي من قبل الدول المعنية هذا العام بالمراجعة الشاملة ومنها موريتانيا.
اللهم إني بلغت اللهم اشهد أن هذا ما في وسعي